عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

269

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 76 ) سورة الإنسان مكية وآيها إحدى وثلاثون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه فَجَعَلْناه سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) * ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ ) * استفهام تقرير وتقريب ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله : أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم . * ( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) * طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود . * ( لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) * بل كان شيئا منسيا غير مذكور بالإنسانية كالعنصر والنطفة ، والجملة حال من * ( الإِنْسانِ ) * أو وصف ل * ( حِينٌ ) * بحذف الراجع والمراد بالإنسان الجنس لقوله : * ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) * أو آدم بين أولا خلقه ثم ذكر خلقه بنيه . * ( أَمْشاجٍ ) * أخلاط جمع مشج أو مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته ، وجمع النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو . وقيل مفرد كأعشار وأكباش . وقيل ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا اخضرا ، أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة . * ( نَبْتَلِيه ) * في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعير له الابتلاء . * ( فَجَعَلْناه سَمِيعاً بَصِيراً ) * ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات ، فهو كالمسبب عن الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله : إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأَغْلالاً وسَعِيراً ( 4 ) * ( إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ ) * أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات . * ( إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً ) * حالان من الهاء ، و * ( إِمَّا ) * للتفصيل أو التقسيم أي * ( هَدَيْناه ) * في حاليه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم * ( شاكِراً ) * بالاهتداء والأخذ فيه ، وبعضهم كفور بالإعراض عنه ، أو من * ( السَّبِيلَ ) * ووصفه بالشكر والكفر مجاز . وقرئ « أما » بالفتح على حذف الجواب ولعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل ، وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا وإنما المؤاخذ به التوغل فيه . * ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ ) * بها يقادون . * ( وأَغْلالاً ) * بها يقيدون . * ( وسَعِيراً ) * بها يحرقون ، وتقديم وعيدهم وقد تأخر ذكرهم لأن الإنذار أهم وأنفع ، وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن ، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر « سلاسلا » للمناسبة . إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 )